أحمد مصطفى المراغي
15
تفسير المراغي
لكم أموالكم ، ويزيدكم قوة إلى قوتكم ، وأما في الآخرة فإن اللّه يثيبكم جنات تجرى من تحتها الأنهار ، ويرضى عنكم ( وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ) . وإن عصيتم ربكم وفعلتم ما نهاكم عنه فإلى أنفسكم تسيئون ، لأنكم تسخطونه ، فيسلط عليكم في الدنيا أعداءكم ، ويمكّن منكم من يبغى بكم السوء ، ويلحق بكم في الآخرة العذاب المهين . ( فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً ) أي فإذا جاء وقت حلول العقاب على المرة الآخرة من مرّتى إفسادكم في الأرض ، بعثنا أعداءكم ، ليجعلوا آثار المساءة والكآبة بادية في وجوهكم ( فإن الأعراض النفسية تظهر في الوجوه فالفرح يظهر فيها النضارة والإشراق ، والحزن والخوف يظهر فيها الغبرة والقترة ) وليدخلوا المسجد قاهرين فاتحين مذلّين لكم كما دخلوه أول مرة ، وليهلكوا ما ادخر تموه وخزنتموه تتبيرا شديدا ، فلا يبقون منه شيئا . قال البيضاوي : سلط اللّه عليهم الفرس مرة أخرى فغزاهم ملك بابل من ملوك الطوائف ويسمى بيردوس أو خردوس اه . والذي أثبته اليهود في تواريخهم أن الذي أغار عليهم أولا وخرّب بيت المقدس هو بختنصّر وكان ذلك في زمن إرميا عليه السلام ، وقد أنذرهم مجيئه صريحا بعد أن نهاهم عن الفساد وعبادة الأصنام ، فحبسوه في بئر وجرحوه - وأن الذي أغار عليهم ثانيا هو أسبيانوس قيصر الروم ، وكان بين الإغارتين نحو من خمسمائة سنة . وعلى الجملة فمعرفة من بعث إليهم بأعيانهم وتواريخ البعوث مما لا يتعلق به غرض كبير ، لأن المراد أنه كلما كثرت معاصيهم سلط اللّه عليهم من ينتقم منهم مرة بعد أخرى . وظاهر الآية يدل على اتحاد المبعوثين أولا وثانيا . ( عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ ) بعد البعث الثاني إن تبتم وازدجرتم عن المعاصي ، وقد حقق اللّه لهم وعده ، فكثر عددهم وأعزهم بعد الذلة وجعل منهم الملوك والأنبياء .